ذكرى شخصية

جدة غوربند (أباي) في أحضان وزيرستان

يستعيد أنس حقاني حكاية أباي، المرأة من غوربند التي عاشت مع أسرته سنوات الهجرة، وعادت إلى موطنها بعد عشرين عاما، ثم اختارت أن يكون مثواها الأخير في وزيرستان.

© anashaqqani.com

بقلممن ذكريات أنس حقاني
الفترةمن أواخر تسعينيات القرن العشرين إلى أوائل عشرينيات القرن الحادي والعشرين
الأماكنكابل وغوربند وشمال وزيرستان
نشر في
مدة القراءة٨ دقيقة

كان ذلك في أواخر تسعينيات القرن العشرين، في المرحلة الأولى من حكم الإمارة. كنت يومها صغيرا. مضت أعوام طويلة، غير أن مشاهد وحكايات بعينها لم تمح من ذاكرتي.

ذكرى من الطفولة في كابل

كانت تعيش معنا في بيتنا بكابل امرأة مسنة تساعد في شؤون المنزل. كانت من وادي غوربند في ولاية بروان. أما زوجها، الذي كنا ندعوه صديق بابا، فكان رجلا متقدما في السن يعمل حارسا في بيت عمنا الحاج خليل.

في أحد الأيام كنت أسير مع عدد من فتيان الأسرة في أحد شوارع وزير أكبر خان. رمى أحدهم شيئا خفيفا نحو رجل مار كانت آثار المرض ظاهرة على وجهه، ثم تفرق الصبية راكضين. توقف الرجل لحظة وقد استشاط غضبا، وصاح ثم انطلق خلفنا. كان الكبار أسرع منه، لكنه لمحني. وكأنه قال في نفسه: لن أدرك الآخرين، أما هذا فسأمسك به.

كان الغضب يغلي في ملامحه، وكان قلبي يخفق وأنا أتهيأ للفرار. ركضت بكل ما أملك، كأنني استعرت ساقين فوق ساقي. أكثر من مرة خيل إلي أنه أمسك بي، وكنت أحسه يسير إلى جواري كظل. كلما مد يده نحوي، وإن لم يبلغني، خرجت مني صرخة خوف.

وسط ذلك الرعب تذكرت أن بيتنا بعيد وأن الفتيان لم يعودوا قريبين. ثم رأيت دار الحاج خليل إلى يميني، فانعطفت إليها ودخلتها صارخا. خرج صديق بابا فزعا، فقلت له من بين دموعي: «رجل، هناك رجل يطاردني».

أمسك بيدي، وخرج بي، ومسح دموعي، وطلب مني أن أدله على الرجل. قال الرجل: «كان معه فتيان آخرون، وقد ضربوني». فضحك صديق بابا وقال له برفق: «يا عبد الله، هم الذين ضربوك، فلماذا طاردت هذا المسكين؟ انظر إليه، لقد فارق اللون وجهه». خجل الرجل واعتذر ثم مضى في طريقه.

ظل قلبي يدعو لصديق بابا. وحين عدت إلى الفتيان، ناولني أحدهم قطعة حلوى ومسح آخر على رأسي. قال واحد: «لم نعلم أنك بقيت وراءنا». وقال آخر برجاء بائس: «لا تخبر أحدا في البيت».

أصبحت أباي فردا من أسرتنا

امتزجت حياة صديق بابا وزوجته بحياتنا شيئا فشيئا حتى غدوا من أفراد الأسرة. ومع الأيام أصبحت هي في بيتنا بمنزلة الأم والجدة.

حين غزت الولايات المتحدة أفغانستان، غادرنا كابل إلى وزيرستان. كانت أباي قد أصبحت جزءا من حياتنا، فلم تعد إلى بيتها، بل هاجرت معنا.

لم يكن لها ولد باق على قيد الحياة. كانت قد رزقت ابنة، لكنها توفيت بعد أشهر قليلة، ولم تنجب بعدها. وكان صديق بابا قد تزوج ثانية طلبا للذرية، فأقام معظم وقته في غوربند. وكان يأتي خفية إلى وزيرستان كل بضعة أشهر ليقضي معها بعض الوقت.

عشنا نحن الإخوة معها بقرب ومحبة حتى لم تعد تشعر بفراغ الحرمان من الأبناء، وكانت تنادي كل واحد منا: يا بني. وفي بيتنا بوزيرستان كانت صاحبة السلطة والكفاءة في شؤون المنزل، تراقب كل عمل وتضبطه.

كنا نذهب إليها أحيانا في الليل. وكنت أحب حكايات الجن، فأقول لها: «حدثينا عن جن غوربند». فتسرد الحكايات بصوت يغلبه النعاس حتى منتصف الليل، ونحن ملتفون حولها.

كانت شديدة الجدية في شؤون المطبخ، لا تجامل أحدا. وكنا نعاملها بحذر في ساعات العمل الرسمية للمطبخ. لم تكن تقبل بالفوضى قبل أوانها، فالطعام ينبغي أن يكون جاهزا في موعده. وكانت تعرف كل إناء في مطبخها معرفة دقيقة.

في فترة من الفترات أقامت مجموعات كثيرة من المقاتلين في مدرسة قريبة من بيتنا. كنا نرسل إليهم الطعام أحيانا، لكننا نحرص على استعادة الأواني، فهذه أوامر أباي. وفي يوم غضب منها أخونا الراحل عمر. ولما سئل عن السبب، قال متذمرا إنها ذهبت إلى المدرسة وفتشت الغرف وأعادت أوانيها من غرف رفاقه لأن صحونها كانت تتناقص يوما بعد يوم.

الشهيد عمر حقاني وأنس حقاني مع صديقهما في الطفولة أمام مدرسة منبع العلوم
الشهيد عمر حقاني وأنس حقاني. أما الفتى الثالث فهو صديقهما منذ الطفولة. مدرسة منبع العلوم.© anashaqqani.com

صمت عمر لحظات ثم قال: «بعض الناس يظنون أنها أمنا، ولا ينبغي أن تتجول خارج البيت. ثم لماذا أخذت أواني أصحابي؟». فردت أباي بهدوء: «أنا أعرف أواني. لم أحضر إناء واحدا ليس لي. لقد عثرت عليها كلها. لا تغضب؛ سأرسل الطعام، لكن على الأواني أن تعود».

عمر حقاني في شبابه ممسكا قلما
الراحل عمر حقاني في شبابه، كما بقي في الذاكرة من سنوات وزيرستان.© anashaqqani.com

الخبز والشوربة

في فترة بعد الظهر، قبل أن نخرج، كانت أباي تخبز الخبز وتغطيه بعناية في المطبخ.

كنت أتسلل إلى الداخل بهدوء.

أنظر أولا حولي لأتأكد من أنها ليست هناك، ثم أقترب من القماش الذي يغطي الخبز، وأمد يدي تحته وأقتطع قطعة.

أذهب إلى الموقد، وأغمس الخبز اليابس في المرق، ثم أعيد غطاء القدر وأخرج بسرعة.

كانت تمسكني أحيانا من خلفي.

فتصيح ورائي، بينما أهرب ضاحكا وأبحث عن مكان أختبئ فيه.

وفي مرات أخرى كنت أترك دليلا ورائي. فقد تسقط قطرات من المرق في مكان ما من المطبخ.

وحين تكتشفها لاحقا، كانت تسأل من فعل ذلك.

كان بعض المرق، وهو شوربة أفغانية تقليدية، ينسكب أحيانا على الأرض. فإذا لاحظت أباي ذلك سألت: «من فعل هذا؟» ومن تعبيراتها المحببة «ثلاثة خروارات»، وكانت تقصد بها كمية هائلة. فتقول: «لقد أراقوا ثلاثة خروارات من الزيت!»

سنوات المنفى

في السنوات الأولى من الهجرة، كانت تعود أحيانا خفية عبر خوست إلى أقاربها في غوربند. وفي السنوات الأولى من عهد أوباما اشتد الصدام بيننا وبين الأمريكيين. وكانت الطائرات الأمريكية المسيرة تستهدف قادتنا في وزيرستان، لذلك كانوا في حاجة شديدة إلى المعلومات الاستخبارية الميدانية. وبطريقة ما علموا أن امرأة من غوربند تعيش في بيت خليفة صاحب.

بينما كانت أباي تزور أختها في غوربند، وصلت مداهمة إلى بيت زوجها بحثا عنها. فتشوا المنزل وسألوا عن هذه العجوز كما لو أن قائدا عسكريا كبيرا قد اختفى. غادرت أباي سريعا مع ابن أخيها وعادت إلى وزيرستان. كنا قد سمعنا بالمداهمة، ففرح أهل البيت جميعا بوصولها سالمة. وقلنا لها ألا تعود مرة أخرى، فالأمريكيون لا يبدو أنهم يقفون عند حد. عقدت العزم وقررت البقاء.

كانت أباي امرأة شجاعة تتكلم بثقة، وتقرأ الناس من هيئاتهم وأصواتهم. وكانت تذكر أحيانا شخصا أمام خليفة صاحب وتقول: «لا تثق بفلان، لا يبدو رجلا مأمونا».

في مرة شجع الأمريكيون بعض الناس من صفوفنا على الاستسلام ووعدوهم بامتيازات. وكان أول من استسلم عميلا متسللا، فأعلنوا أمره. وفي تلك الأيام اتصل مقاتل سابق آخر بالبيت عبر هاتف أرضي. سمعت أباي صوته فقالت بصراحة: «صوت هذا الرجل لا يبعث على الثقة. سيهرب، سترون، وسيذهب إلى الأمريكيين». ضحكنا من حدة كلامها، لكن بعد ليال قليلة ذهب الرجل نفسه إلى خوست واستسلم للأمريكيين، فوضعوا أكاليل الزهور في عنقه.

وفاة صديق بابا

كانت أباي، مثلنا، قد انقطعت نهائيا عن قريتها. وأصيب صديق بابا بالسرطان. وبعد علاج طويل في غوربند جاء إلى وزيرستان. وفي مساء خرج للصلاة، وبينما كان في رواق المسجد جاءه الموت.

بلغ الخبر أباي في ساعة متأخرة من الليل، فبكت بكاء مرا. لقد فقدت في المنفى الرفيق الوحيد لحياتها المتعبة، واجتمع الصغار والكبار يواسونها.

أصرت أسرة صديق بابا على نقل جثمانه إلى غوربند، فرتبنا أمر نقله. لكن الخوف من الأمريكيين منع أباي من مرافقة زوجها إلى جنازته في الوطن. ومن معبر غلام خان عادت إلى ميرانشاه وهي تبكي.

عشرون عاما من المنفى

عاشت أباي معنا عشرين عاما، وشاركتنا الكفاح والمشقة وكثرة التنقل. وكان كثير من أهل وادي غوربند يعلمون أن امرأة مسنة من منطقتهم تقيم معنا. وكلما لقينا أحد المقاتلين من هناك أو اتصل بنا، كان أول ما يقوله غالبا: «أنا من بلد أباي».

وحين تقلبت صفحات القدر، خرج الأمريكيون مهزومين وعدنا إلى كابل منتصرين. كان جسد أباي قد ضعف، غير أن قلبها ظل يحمل أشواق عشرين عاما.

قالت لخليفة صاحب: «حرمت عشرين سنة من قريتي ووطني، وانقطعت عن القريب والغريب. والناس يعرفون قصتي، وما زال لي أصدقاء وأعداء. عزمت أن أزور غوربند مرة. لا أحب أن أذهب في صمت؛ فمن يدري كم بقي لي من العمر؟ أريد أن أحتفل بهذا النصر بين أهلي. أرسلني إلى وادي غوربند مرفوعة الرأس، حتى يقول الجميع: هذه هي أباي التي غابت عن قريتها ووطنها عشرين عاما باسم الجهاد والحرية».

لم يرد خليفة صاحب طلبها. وأمر الجنرال شريف، قائد شرطة الحدود يومها ووالي زابل حاليا، بأن يهيئ لها موكبا من عشرات عربات الهامفي ترافقه وحدات منظمة. صحبها الجنرال أولا إلى مقر ولاية بروان، حيث اجتمع كثير من أهل غوربند ووضعوا أكاليل الزهور في عنق ابنتهم المسنة، واستقبلها والي بروان بحفاوة وتكريم.

ثم تحرك الموكب نحو وادي غوربند. عادت أباي إلى قريتها في المركبات الأمريكية نفسها التي جاءت يوما تبحث عنها. خرج القرويون جماعات لاستقبالها، وأقيمت وليمة عامة ومجالس فرح وشكر.

مكثت في القرية أياما، ثم عادت إلى كابل في الموكب نفسه. وما إن دخلت البيت حتى رفعت الوشاح عن شعرها الأبيض وأخذت تدعو لخليفة صاحب: «لقد حققت أمنية امرأة فقيرة، فليحقق الله تعالى كل أمانيك».

وكانت قد حملت معها أيضا عرائض كثيرة من قريتها. وصارت في كابل مشغولة بكثرة المراجعين إلى حد أننا هيأنا لها بيتا مستقلا وخدما. وكانت تأتي إلى خليفة صاحب ليلة في كل أسبوع تحمل عرائض الناس.

أمنيتها الأخيرة

كانت تريد أداء الحج.

في السنة الأولى بعد النصر، رتب خليفة صاحب رحلتها. ورافقها شباب أكفاء من أسرتنا ليرعوها طوال أداء المناسك.

أدت أباي الحج وعادت إلى كابل.

لكن جسدها أخذ يضعف مع مرور الوقت، وتزايدت أمراضها.

وفي العام التالي، بينما كنا نحن في طريقنا إلى الحج، بلغنا أنها مرضت مرضا شديدا.

نقلت إلى المستشفى، وكانت حالتها حرجة.

أخبرنا رفاقنا أنها ظلت تكرر الرسالة نفسها:

«قولوا لابني خليفة صاحب إنني لم أعد أملك أمنية في هذه الدنيا. لكن إن مت، فانقلوا جثماني إلى تراب وزيرستان. ادفنوني هناك إلى جوار أبنائي المهاجرين الآخرين، المجاهدين».

وبعد وقت قصير، أسلمت أباي روحها المتعبة إلى خالقها الحق.

امتلأ بيتنا بالحزن. وشعرنا كأننا فقدنا أمنا.

تحدث خليفة صاحب أولا إلى أسرة أباي وأقاربها ونال موافقتهم.

وقال لهم: «نريد أيضا أن نحقق وصية أباي الأخيرة».

ثم رتبت الإجراءات لنقل جثمانها إلى وزيرستان.

لم تتجه جنازة أباي إلى غوربند.

بل اتجهت إلى وزيرستان.

هناك، في مقبرة المهاجرين المعروفة، كان أهلنا من داور قد أعدوا لها قبرا.

ووري جثمان أباي الثرى بين كثير من شهدائنا المعروفين، منهم الملا سنجين والدكتور نصير الدين والمولوي أحمد جان وغيرهم.

قبر أم غوربند في وزيرستان
قبر أم غوربند في وزيرستان، حيث أوصت أن تدفن إلى جوار من كانت تعدهم أبناءها المهاجرين.© anashaqqani.com

ولدت في غوربند، لكن وزيرستان أصبحت مثواها الأخير.

عاشت معنا عشرين عاما وتقاسمت بيتنا ومشاقنا وأسفارنا وذكرياتنا. لم يكن لها أبناء باقون على قيد الحياة، لكنها صارت أما لكثيرين. غادرت وطنها معنا، وعاشت سنوات المنفى، ثم عادت أخيرا إلى الوادي الذي طالما اشتاقت إليه، وأدت الحج، واختارت في النهاية أن تدفن في الأرض التي أمضت فيها قسما كبيرا من حياتها مهاجرة.

دخلت حياتنا امرأة مسنة من غوربند.

وفي النهاية لم تكن سوى أباي.

رحمها الله، وأبقى ذكراها حية فينا دائما.

مقبرة المهاجرين

ممن تحفظهم الذاكرة

أوصت أم غوربند أن يكون مثواها في وزيرستان إلى جوار من كانت تعدهم أبناءها المهاجرين. وتحفظ هذه الصور الأرشيفية ذكر ثلاثة ممن وردت أسماؤهم في حكايتها.

صورة أرشيفية للمولوي أحمد جان
المولوي أحمد جان
الميلاد
غير موثق علنا
الاستشهاد
٢١ نوفمبر ٢٠١٣
© anashaqqani.com
صورة أرشيفية للدكتور نصير الدين حقاني
الدكتور نصير الدين حقاني
الميلاد
غير موثق علنا
الاستشهاد
١٠ نوفمبر ٢٠١٣
© anashaqqani.com
صورة أرشيفية للمولوي فاتح سنكين
المولوي فاتح سنكين
الميلاد
نحو ١٩٧٦ أو ١٩٧٩
الاستشهاد
٥ سبتمبر ٢٠١٣
© anashaqqani.com