ذكرى شخصية

باتور والدراجة: ذكرى من الطفولة

ذكرى أنس حقاني عن دراجة أهداها إليه أخوه عمر، وعن فرحة الطفولة وانتظار باتور الذي أخذها لإصلاحها ثم باعها، قبل أن يدخر أنس ثمن دراجة أخرى.

© anashaqqani.com

بقلمبقلم محمد أنس حقاني
الفترةالطفولة، مطلع الألفية
الأماكنشمال وزيرستان وميرانشاه
نشر في
مدة القراءة٥ دقيقة

كنت صغيرا جدا، حتى إن قدميّ لم تكونا تبلغان الأرض حين أجلس على إحدى الدراجات الصينية الكبيرة. لكنني كنت إذا استعرت واحدة منها أدخل ساقا من بين هيكلها إلى الجهة الأخرى، وأتمكن بطريقة ما من قيادتها.

كان لأخي عمر دراجة أصغر قليلا من تلك الدراجات الكبيرة. كنت أطلب منه أحيانا أن يعيرني إياها، فيفعل. وكانت تلك بالنسبة إلي واحدة من أعظم أفراح الدنيا.

ذات يوم قال لي عمر: «هل أخبرك أمرا؟ ستفرح كثيرا!»

قلت: «أخبرني!»

قال: «دراجتي أصبحت لك».

كدت لا أصدق ما سمعت. ظننت أنه يمزح.

قلت: «لا، لا أصدقك. أنت تسخر مني!»

أصر قائلا: «أقسم أنني أعطيك إياها».

غمرتني السعادة حتى أخذت أقفز من شدة الفرح.

ثم تابع: «اسمع الآن، فيها مشكلة صغيرة في السلسلة، فهي تنفك أحيانا. كما أن الدواسة تحتاج إلى بعض الإصلاح. خذها إلى أحد المصلحين في السوق وأصلحها».

قلت له إن الأمر سهل، وشكرته مرارا.

جعلني عمر في ذلك اليوم أشعر بشيء رائع، بتلك السعادة التي لا يمنحها إلا أخ أكبر.

كان المساء قد اقترب، لكنني تمكنت من قيادة الدراجة بضع مرات قبل أن يحل الظلام.

في تلك الليلة أخرجت ثلاثين أو أربعين روبية كنت قد ادخرتها، وأخذت ثلاثين أخرى من أمي.

لم أستطع النوم من شدة الحماس.

في صباح اليوم التالي ناديت رجلا من قريتنا اسمه باتور. كان أكبر منا سنا، وفي نحو عمر عمر وبقية إخوتي.

لم يكن مسموحا لنا نحن الأطفال أن نذهب إلى السوق وحدنا.

سألته: «هل تستطيع أن تأخذ دراجتي إلى سوق ميرامشاه؟ هذه بعض الروبيات، أرجوك أصلحها لي».

وافق.

وقال: «لا حاجة إلى الذهاب حتى ميرامشاه. هناك مصلحو دراجات قريبون في درغاي مندي، وسأصلحها هناك بسرعة».

ناولته دراجتي وسبعين روبية، فانطلق باتور.

قضيت الساعات التالية أتجول عند زاوية بيتنا. وكل بضع دقائق كنت أنظر بلهفة إلى المنعطف الذي يأتي منه الطريق من درغاي.

كانت مخيلتي تسبقني. أتصور نفسي أقود دراجتي من مكان إلى آخر وأستمتع بكل لحظة.

لكنني كلما نظرت إلى ذلك المنعطف لم أر باتور.

حل الظهر ولم يظهر له أثر.

تحول حماسي شيئا فشيئا إلى قلق، ثم ازداد القلق حتى صار حزنا.

لاحظ بعض أطفال الأسرة أن أمرا يزعجني. وحين أخبرتهم بما حدث، انفجر بعضهم ضاحكا، وغضب بعضهم الآخر.

قالوا: «ماذا فعلت؟ من بين كل أهل القرية أعطيت دراجتك لباتور؟ لا بد أنه باعها الآن! ألا تعرف أنه أشهر مثيري المشكلات في القرية؟»

حاولت الدفاع عنه: «لا، لا أظن ذلك. لا بد أنه تأخر في مكان ما».

لكن كلامي لم يقنعهم، ولم يطمئن قلبي أنا أيضا.

قال أحد الفتيان: «قبل أيام قليلة باع حمارا لبعض البدو بثلاثمئة روبية. واضطر شيوخ القرية إلى تعويضهم بعد ذلك. هذا الرجل لا يبالي بشيء!»

تحولت سعادتي ببطء إلى حزن.

جاء العصر، وما زال باتور غائبا.

كان بقية الأطفال قد سمعوا بالقصة، فتحولت إلى طرفة يتناقلها أهل القرية.

كانوا يضحكون قائلين: «أنس أعطى دراجته لباتور، والآن اختفى باتور!»

عدت إلى البيت عند المساء وبكيت بحرقة.

جاء عمر وحافظ بدر الدين حقاني ليواسِياني. وضعا أيديهما على كتفي وقالا: «سنساعدك. سنشتري لك دراجة أخرى. لا تحزن».

خففت كلماتهما عني قليلا.

لكن باتور ظل غائبا أسبوعا كاملا.

وبعد أسبوع انتشر خبر عودته وأنه في بيته.

تقدم عمر الطريق، وذهبنا نحن الأطفال جميعا إلى بيت باتور. ووقفنا صفا أمام بابه.

انتظرنا وقتا طويلا قبل أن يظهر أخيرا.

كان يرتدي ثيابا جديدة مائلة إلى الصفرة، من النوع الذي كان تلاميذ المدارس يرتدونه.

سأله عمر مباشرة: «ماذا فعلت بالدراجة؟»

كان باتور من النوع الذي لا يخفي ما فعله.

ضحك وقال: «كنت مفلسا تماما، فبعتها. واشتريت بهذه الثياب الجديدة أيضا».

سألته: «بكم بعتها؟»

قال: «بمئتين وخمسين روبية».

لا بد أن الألم في صوتي كشف له كم كنت أفتقد دراجتي.

صحت: «ليخذلك الله! كان بإمكانك على الأقل أن تبيعها بسعر أفضل. لقد بعت دراجتي بأقل من ثمن حمار!»

فرد باتور: «على كل حال، لم تكن دراجتك دراجة حقيقية أصلا».

انفجر عمر ضاحكا.

ثم التفت إلينا وقال: «هيا بنا. اتركوه وشأنه. لن نقل له شيئا آخر. يكفي أنه قال الحقيقة».

وأضاف باتور: «حتى إن أردتم ضربي فأنا مستعد. أعرف أنني المخطئ».

وهكذا استدرنا وعدنا إلى البيت.

مضت تلك الأيام، لكنني كنت أرى دراجتي الضائعة في أحلامي ليالي كثيرة.

وفي النهاية عقدت العزم: سأشتري دراجة أخرى، وستكون هذه المرة أفضل من الأولى.

كان ثمن الدراجة الصينية آنذاك ثلاثة آلاف روبية في ميرامشاه.

وخلال شهرين تمكنت من ادخار ألفين ومئتي روبية.

كان هناك رجل آخر من قريتنا يسافر إلى كابل، ويشتري بضائع مختلفة ثم يعود بها إلى ميرامشاه.

أخبرني أن الدراجات أرخص في كابل.

عددت نقودي وسلمتها إليه.

وبعد بضعة أسابيع وصلت دراجتي.

الدراجة التي ترونها في هذه الصورة هي تلك الدراجة الثانية التي أحضرها لي ابن قريتنا من كابل. التقطت الصورة في أوائل عام 2004.

خلفي إلى اليمين يقف الفتى ذو العمامة السوداء، واسمه سيف الله. كان ابن خالتي، وسيف الله وعمر زميلين في الدراسة.

اعتقلت القوات الأمريكية سيف الله لاحقا، وظل في السجن عدة سنوات. وبعد إطلاق سراحه، قُتل بعد شهر واحد فقط في غارة أمريكية بطائرة مسيرة، في اليوم الرابع من عيد الفطر.

وبجانبي مباشرة يقف حافظ أسد الله، رافعا سبابته. كان ابن عمتي، وابن خالنا مياور خان أيضا، وهو ابن عم أبي.

درسنا في الصفوف نفسها، وكان معنا في فريق كرة القدم. كما كان ضاربا قويا جدا في لعبة الكريكيت.

وحين كبر، أصبح شابا كفؤا ومجتهدا على نحو لافت.

وبعد بضع سنوات قُتل هو الآخر في قصف أمريكي في ولاية بكتيا. أخذت القوات الأمريكية جثمانه وسكبت الحمض على وجهه.

في أقصى الصورة، إلى يساري، يقف الفتى الذي يحمل بندقية هوائية. إنه أخي عمر، الأخ نفسه الذي أهداني دراجته.

ثم أهداني تلك البندقية الهوائية أيضا. كنت، وما زلت، أحب الصيد كثيرا.

أصيب عمر في اشتباك مباشر عام 2008. وبعد أيام قليلة توفي متأثرا بجراحه.

التقطت هذه الصورة في مدرسة دينية صغيرة كنا ندرس فيها آنذاك.

أما الفتى ذو العمامة البيضاء فهو أنا.

كان الاعتقاد الشائع في ذلك الوقت أن النظر مباشرة إلى الكاميرا عند التقاط الصورة أمر غير مستحب. أما اليوم فيقول الناس إن النظر مباشرة إلى الكاميرا يجعل الصورة أجمل.

بقلم محمد أنس حقاني

في ذكرى الأحبة

عمر وبدر الدين حقاني

صور أرشيفية لأخ أنس حقاني عمر، وحافظ بدر الدين حقاني، الذي رحل عام ٢٠١١.

بدر الدين حقاني في صورة أرشيفية
بدر الدين حقاني
الميلاد
غير موثق علنا
الاستشهاد
عام ٢٠١١
© anashaqqani.com
عمر حقاني في شبابه
عمر حقاني
الميلاد
غير موثق علنا
الاستشهاد
٢٠٠٨، متأثرا بجراحه
© anashaqqani.com